Add new comment

نهاية مرحلة سياسية

24/7/2021

نهاية مرحلة سياسية

            

شوقي العيسة

 

             في اي اتفاق سياسي بين خصمين أو حليفين يحاول كل طرف الاستفادة إلى أقصى حد، أو تقليص خسائره إلى أقل حد ممكن. وتلعب موازين القوى الدور الرئيسي في تحديد إلى أي مدى يستطيع كل طرف تحقيق ما يريد.

            وما يطلق عليه اتفاق اوسلو ليس استثناءً، بل تنطبق عليه قواعد العمل السياسي وتتحكم فيه موازين القوى.

بعد كل تلك السنوات على توقيعه يمكن القول أن إسرائيل استفادت منه إلى أقصى حد، بل ونجحت في تحقيق ما تريد، فعندما بدأت إسرائيل العمل على التواصل مع منظمة التحرير، ومحاولة الوصول معها إلى ترتيبات معينة كانت إسرائيل تعاني من شدة الانتفاضة الأولى، والضغط الدولي عليها، بل وكانت مرعوبة من احتمال فقدانها السيطرة على الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧، وكان هدفها اجهاض الانتفاضة ومنع تحقيق أي من أهدافها.

          ولم تخرج إسرائيل عن أهدافها الاستراتيجية بتحقيق سيادتها على كل فلسطين، وإن كانت تلجأ إلى سياسة المراحل، وتكتيكات سياسية لا تتعارض مع الهدف البعيد، وفي هذا السياق يمكن النظر إلى اتفاق اوسلو وتأسيس سلطة فلسطينية، بالشراكة مع منظمة التحرير على أنها كانت خطوات ضمن البرنامج الصهيوني بعيد المدى. لذلك لم يتضمن الاتفاق وقف الاستيطان، ولا وقف هدم البيوت، ولم يتضمن اعترافاً بدولة فلسطينية من أي نوع.

              إسرائيل، حققت خلال تلك الفترة التي قاربت ثلاثة عقود، أهدافاً عديدة، كانت وضعتها في استراتيجيتها التي أعدتها خلال الانتفاضة قبل اتفاق اوسلو وقبل مؤتمر مدريد، يمكن تلخيصها بالتالي:

  • أفرغت منظمة التحرير من محتواها كثورة تحرر وطني، ونزعت ثقة الشعب الفلسطيني بها.
  • حولت المنظمة من خصم رئيسي ولدود إلى جهة تحكم سكان الأراضي المحتلة وتحمي أمن إسرائيل.
  • قسمّت الأراضي المحتلة، وفصلت قطاع غزة عن الضفة لتسهيل السيطرة على الضفة، وتوسيع الاستيطان فيها وتخفيض عدد سكانها.
  • خلقت جسماً فلسطينياً وسيطاً بينها وبين الشعب الواقع تحت احتلالها، ولم تعد على احتكاك مباشر مع الشعب المنتفض. وإنما أعطت الشعب الفلسطيني جسمًا فلسطينياً يحكمه ويتصارع معه بشكل مباشر بعيداً عن جيش الاحتلال.
  • غيرت إلى حد ما، وبالتدريج من ثقافة المجتمع الفلسطيني الثورية المعادية للاحتلال، لثقافة المصالح الفردية، وبذلك حيّدت عدد كبير من الفتحاويين والمواطنين الذين أصبحوا جزءاً من السلطة.
  • غذّت الفساد الفلسطيني، وفضحته لتعميق أزمة الثقة بين الشعب وقيادته.
  • وبالترافق مع ذلك كله أعطت اوسلو إسرائيل الوقت الكافي لتنفيذ ما تريد، منعاً لإمكانية قيام دولة فلسطينية، كما أعطتها الوقت، وفتحت لها الطريق لتجعل منها لاعباً اقليمياً مقبولاً، ولتقم علاقات علنية، لها فيها اليد العليا مع العديد من الدول العربية،
  • كذلك أثرت هذه الاتفاقية سلبيا على علاقات منظمة التحرير مع القوى الإقليمية، والدولية الداعمة للشعب الفلسطيني والمعادية لإسرائيل وداعميها.

 

         وعندما تصل إسرائيل إلى أقصى حد ممكن من الاستفادة من الوضع القائم، ستنهي وجود القيادات الحالية، لتبدأ مرحلة جديدة بشخوص جدد وأهداف مرحلية وتكتيكية جديدة.

 

            أما في الجانب الآخر فكانت منظمة التحرير "خلال الانتفاضة الأولى" تعيش عزلة عربية، ومحاولات حثيثة للتخلص منها، ووجدت في الانتفاضة طوق النجاة الذي يعيد لها عنفوانها ودورها. واعتقدت أن عليها الإسراع بالحصاد قبل فوات الأوان، فوافقت على المشاركة في مؤتمر مدريد ضمن الوفد الأردني، والانخراط في عملية لا تعرف إلى أين تؤدي بها. ودخلت في شباك الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ بعض قادتها بالترويج إلى أن الحل يأتي عبر أمريكا، ثم وقعت في الفخ الإسرائيلي، الذي نصبته لها الحركة الصهيونية عبر النرويجيين، ودخلت متاهة المفاوضات السرية المباشرة مع الإسرائيليين. والتي استطاعت إسرائيل من خلالها جرّ المنظمة إلى ملعبها وإيهامها بإن هذا الطريق، هو الذي سيوصلها إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧.

        اعتقد ياسر عرفات ومن معه بأن عودتهم إلى داخل فلسطين سيقوي أوراقهم، وسيمكنهم من فرض ما يريدونه على الأرض من خلال مواصلة النضال من داخل الأرض المحتلة. ولكنهم وبعد تأسيس السلطة اصطدموا بالواقع مبكرا، وبدأ عرفات يعي ما تخطط له إسرائيل، وكان أول اشتباك عسكري بين الطرفين، على حاجز بيت حانون في غزة عام ١٩٩٥، تلاه هبة النفق في عام ١٩٩٦.

           لم يعط عرفات أهمية كبيرة للحفاظ على صلابة البيت الداخلي، وبالرغم من انتباهه إلى بدأ تغلغل اتباع أمريكا والغرب وإسرائيل في صفوف السلطة، إلا أنه اعتقد أنه سيبقى مسيطراً على الأمور، وكان يطلق على هؤلاء (جزم نعدي فيهم المستنقع)، ولكن انتشر الفساد في السلطة، وبدأت تظهر مراكز القوى وتتصارع، كما بدأ الإحباط بالتسلل للأوساط الشعبية، وبدأ القمع والتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، وظهر امراء الحرب بين مسؤولي السلطة، وبدأوا يفرضون على أصحاب المصالح التجارية الخاوات ويشاركونهم مشاريعهم. فازداد الاحباط وغابت الثقة، وبرزت قوة حماس التي بدأت تطرح نفسها كبديل للمنظمة في ذلك الوقت.

          قبل قمة عرفات براك في امريكا عام 2000، تعمقت الخلافات بين المنظمة وحماس، وأصبح البيت الداخلي أكثر ضعفاً، وبعد فشل القمة، التي حاول خلالها الامريكيون والاسرائيليون فرض الاستسلام على عرفات، الذي اقتنع آنذاك وبشكل كامل أن هذا المسار لن يؤدي إلى إقامة الدولة، اندلعت الانتفاضة الثانية.

         عندها فهمت إسرائيل أن مخططها يواجه عائقا كبيرا، واتفقت مع الأمريكيين على أن التخلص من عرفات أصبح ضرورة ملحة للاستمرار في ابتلاع الضفة والوصول إلى مبتغاهم. وحاول الاسرائيليون والامريكيون خلال الانتفاضة الثانية من خلال إرسال عدة مبعوثين أمريكيين، التخلص من هيمنة عرفات دون قتله ولكن كل محاولاتهم بائت بالفشل، وكان اغتيال عرفات، القائد الذي أراد المزاوجة بين "المقاومة" و"الدبلوماسية والتفاوض"، في ظل موازين قوى مختلة تماماً ودون الحفاظ على البيت الداخلي قوياً متماسكاً.

           تميزت مرحلة ما بعد عرفات، بالتعاون بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وأبو مازن ومن حوله من جهة أخرى، لإنهاء الانتفاضة وتهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلة وإعادة الاستقرار الأمني. فقد اقتنع أبو مازن ومن معه بأن إنهاء كل أشكال المقاومة، والحفاظ على أمن إسرائيل، ووضع كل أوراقهم في السلة الأمريكية، سيؤدي إلى تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

         أراد أبو مازن تغيير منطق التاريخ والسياسة، بأن ينهي الاستعمار الإحلالي دون أي مقاومة، ومن خلال الدخول في خندق الاستعمار وحلفائه، ومحاولة إرضائهم بإضعاف الجبهة الداخلية، وزيادة الخلل في موازين القوى المختلة منذ البداية. ولعل ذلك كان ولا يزال أغرب تفكير سياسي، في تاريخ ثورات التحرر الوطني، وهو ما أدى إلى كل ما بعده حيث تحول أبو مازن إلى دكتاتور، يسيطر على المنظمة والسلطة من خلال الحكم الفردي المطلق.

وانتشر الفساد في هيئات السلطة، وفقدت السلطة القدرة على الفعل الوطني، بل وتحولت إلى ما يشبه آلية حكم تحمي العدو وتعفيه من أي التزامات. ورافق ذلك كله عملية قتل بطيء لمنظمة التحرير.

ونتيجة لكل ذلك تقلصت شعبية السلطة وقاعدة مؤيديها.

وفي هذه الأيام يمكن حصر مؤيدي السلطة بالمجموعات التالية:

  • بعض موظفي السلطة للحفاظ على دخلهم المالي.
  • مافيا الفساد من عدد من كبار موظفي السلطة للحفاظ على مصالحهم.
  • بعض من يعتبرون أنفسهم فتحاويين، وهم نفسهم من خرج ضد عباس عندما كان رئيساً للوزراء واختلف مع عرفات، ووقتها وصفوه بالخيانة، أما اليوم فهم يدافعون عنه للحصول على فتات من خزينة السلطة.
  • بعض شركات الرأسمال الاحتكارية التي تنهب أموال المواطنين بحماية السلطة.
  • بعض موظفي السلطة في قطاع غزة، والذين يعانون تحت حكم حماس، ويتلقون مساعدات ورواتب مالية من السلطة.
  • قطاعاً من المواطنين الذين يخشون أي تغيير، ويخافون من الفوضى والفلتان الأمني.
  • الحركة الماسونية في الأراضي المحتلة، التي عادت للنشاط في عهد أبو مازن، وبعض رجالاتها تغلغلوا إلى مواقع حساسة في السلطة.

 

مع تحول السلطة في السنوات الأخيرة إلى الحكم البوليسي العسكري وقمع الحريات ومنع أي عمل مقاوم ضد الاحتلال، وفي ظل اقتسام الأراضي المحتلة بين فتح وحماس، وغياب أي بادرة لحل سياسي ينهي الاحتلال، بعد موت حل الدولتين ودفنه، وجد الشعب الفلسطيني نفسه في وضع معقد وصعب للغاية، ففي الوقت الذي عليه مواصلة مقاومة الاحتلال الصهيوني، والاستيطان الذي تضاعف في الضفة المحتلة والقدس المحتلة إلى سبعة أضعاف. وجد نفسه مضطراً لمقاومة سلطة فلسطينية تساعد الاحتلال على حماية نفسه من الشعب الفلسطيني وتقمع المواطنين بشراسة وتنتهج نظام حكم الفرد المطلق دون افق للتغيير.

 ويبدو أن الطامة الكبرى كانت بعد الجولة الاخيرة من المقاومة في القدس وغزة، خاصة وأن بطولة أهل القدس في الشيخ جراح، وبقية أحياء القدس ومشاركة الفلسطينيين في الداخل استنهضت حركة تضامن واسعة جداً في مختلف دول العالم، وأعادت للقضية الفلسطينية بريقها، فجاءت تصرفات السلطة من قمع وتعذيب، وحتى قتل، وكأنها تقول للمتضامنين أننا لسنا من تعتقدون، وهذا زاد سخط المواطنين على السلطة أضعافاً مضاعفة. 

        اما فصائل منظمة التحرير خلال مرحلة أوسلو، فقد عجزت عن طرح بديل مقنع عن برنامج القيادة الرسمية، وكثير منها أصبح يدور حول نفسه داخل ظلال سلطة أبو مازن، مما أفقدها جماهيرها، وقدرتها على الفعل السياسي، أو أي فعل بشكل عام، بل انها اليوم عاجزة عن إنقاذ نفسها من التلاشي، حيث عجزت عن بناء ائتلاف يجمعها أو تحالف انتخابي، ناهيك عن انعدام القدرة على الاندماج مع بعضها لتشكل قوة فاعلة.

         وعلى الجانب الآخر حماس التي تحكم قطاع غزة، لم تستطع أن تقدم نموذجاً من الحكم يقبله الناس، فالقمع وغياب الحريات، والفساد، كانت السمة العامة لما تمارسه منذ الانقسام، ولكنها تلقى التعاطف من قطاعات شعبية كونها حافظت على نشاطات المقاومة التي يتعطش الفلسطينيون لها.

      في هذه الفترة يمكن القول أن مكونات النظام السياسي الفلسطيني، وخاصة منظمة التحرير والسلطة، قد قطعت أكثر من ثلثي الطريق نحو التعفن والتحلل والانهيار، ولم تعد قادرة على العمل الوطني أو الاجتماعي، بل ولعلها ستزيد من القمع والبطش، بكافة أشكاله إلى أن تنهار نهائيًا. خاصة وأنها مع كل يوم جديد تفقد أهليتها للقيام بما تريده إسرائيل وأمريكا منها.

       ولكن الحياة لا تعرف الفراغ، والشعب الفلسطيني شعب حي ومناضل، وقد نشأت في الفترة الأخيرة العديد من الحراكات النشطة، والمنتديات السياسية والاجتماعية، والتي تقوم بتحركات مطلبية في عدة ميادين، سياسية واجتماعية واقتصادية، وتلك الحراكات تتطور مع الوقت والتجربة، وسيتوصل أصحابها ومعهم جيل جديد من الشباب الفتحاوي واليساري والوطني بشكل عام، "الذي فقد الثقة بكل القيادات"، الى أن ما يقومون به غير كاف، وليس بالآلية المطلوبة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني.

       هذا الجيل لديه من الوعي والإرادة لتشكيل أحزاب وجبهات، وحركات جديدة، تقود الثورة وتنفض غبار العفن عنها، وتنهض من جديد واعية بأن عدوها المباشر هو دولة ابارتهايد استعماري احلالي في قمة عنصريته وفاشيته. وأن البرامج الدبلوماسية المخملية حول حل الدولتين وما شابه، ما هي إلا كلام مضلل للفلسطينيين، ليعطي الوقت الكافي لإسرائيل لبسط سيادتها على كل فلسطين وتهجير من تبقى من شعبها.