حديث مع ريتشل كوري

10/5/2005

حديث مع ريتشل كوري

شوقي العيسه

ريتشل ، صباح الخير ، هل تسمعينني ؟!... ما أغبى هذا السؤال، طبعا أنت تسمعينني، فأنت الآن في كل مكان، لا شك انك تعلمين أن غزة كنست الوحوش كي تتفتح أزهارها من جديد، كنا نعرف، نحن وأنت، أن هذا حتما سيحصل، ولكن حصل متأخرا بعض الوقت، كلنا نعتذر لك عن التأخير .

ريتشل ، أقسم أطفال رفح أنهم شاهدوك، تحلقين فوقهم في السماء وتبتسمين يوم بدأ التكنيس،  يومها كانت رفح أجمل ، قالوا انك كنت كحمامة بلون الصفاء ، تطيرين بخطوط تصدح بالفرح ونشوة الانتصار ، أتعلمين ماذا خطر ببالي ، سأقول لك، تخيلي لو نستطيع ترجمة تلك الرسومات التي تشكلها خطوط تحليق الحمام إلى أحرف موسيقية، ستكون أروع سيمفونية للسلام وانتصار العدالة، فما بالك حين تكون الحمامة أنت، ستجعلين موزارت يغار، فرفقا به .

ريتشل أطفال غزة يتجادلون، هل أنت اله الحب والجمال أم اله التضحية ، كثيرون من يحبون ويتمتعون بالجمال، ولكن قلة من لديهم القدرة على التضحية، إذن أنت اله التضحية أولا، واله العشق والجمال أيضا.   

ريتشل حين غنى مارسيل مرثية كمال جنبلاط، قال له لو رأت تلك الرصاصات عينيك لاعتذرت ، ريتشل كنت أفكر لو ان اسنان ذلك البلدوزر كان لها الخيار، حين اقتربت من جسدك ماذا كانت ستفعل، كانت ستتحول الى قطرات متصلة من العسل الصافي لتسيل على شفتيك، كي تزيدها نضرة وبريقا، حتى تنعكس ابتسامتك على ضوء القمر، ويوزعها على كل اطفال الفقراء والضحايا في غزة ونيويورك وصبرا وهوريشيما وتشيلي ورواندا وجنوب افريقيا، ريتشل اتذكرين ايمي، هي ايضا من امريكا هي ايضا ذهبت الى جنوب افريقيا، ما الفرق بين جنوب افريقيا في ذلك الوقت وفلسطين، فالظلم ظلم في اي مكان، ومحاربوا الظلم مثل بعضهم في كل مكان، قتلت ايمي وهي تحاول ان تزرع البسمة على شفاه الاطفال السود.

ريتشل اتذكرين تلك الدمعة المقدسة التي سالت من عينك، وكانت اخر حدث في حياتك الاولى، التقطتها اصابع طفلة من رفح في عمر الورد وقت الندى، ومسحت بها جبينها، وقالت انا الان ريتشل، لن نسمح بموت ريتشل، اذا عجزنا عن حمايتك من الطغاة فسنحملك في قلوبنا ونتوارثك جيلا بعد جيل، ريتشل اتذكرين ما قاله شكسبير في (الملك لير)، الصوت الخافت لا يعني ان القلب فارغ ، ونحن وان كان صوتنا ليس مسموعا لدى اهل الشمال، فان قلوبنا اقوى من الصخر وستحافظ عليك وتوصلك الى كل ما اردت .

حلفت احدى عذارى فلسطين، انها ذهبت الى المكان الذي قدسته دماؤك، فرأت وردة ياسمين شامخة، رغم قوة الكاتيربلر التي مرت فوقها غير آبهة، ريتشل أتعرفين لماذا بقيت وردة الياسمين بيضاء، على ذمة عمر الفرا، عندما جاء الفنان العاشق يوزع الألوان على الورود، كان على كل وردة ان تنحني لتحصل على اللون، الا الياسمين ابت ان تنحني وبقيت بيضاء وبقيت اجمل الورود، وتنحني امامها كل الورود، من لا ينحني ولا يتلون تنحني امامه كل الاشياء.

ريتشل اليوم تصبح ارض غزة نظيفة طاهرة كغرفة العمليات في المستشفى، واهل غزة يحضرون لاستقبالك استقبال الاميرات ، فقومي كما المسيح الفلسطيني، فها هي جدران كنيسة القيامة تهتز كما الزلازل تستصرخك ان قومي، وارض المهد في بيت لحم تفترش زيت الزيتون كي ترقصي عليها كما الرقص على الجليد، او ارقصي كعصافير بحيرة البجع، ارقصي وامرحي ارجوك، اريحينا ولو قليلا من الشعور بالذنب، اريحينا ولو قليلا من الشعور بالذنب.

ريتشل انت اخترت شعب فارس عودة ، وفارس لو تدرين قام يومها من موته، وصرخ وقال لي بصوت يحاول ان يسبق الدموع، لو كنت لوركا لقلت في ريتشل اروع من مرثية مصارع الثيران، قالت عجوز تقترب من التسعين لماذا قتلوا هذه الطفلة الجميلة، قلت لها ما قاله الشاعر اليهودي بيالك، لم يخلق الشيطان من يستطيع قتل طفل، فابتسمت وقالت وهي تواصل سيرها البطيء ولكن حكام اسرائيل استطاعوا،  قال صاحب البيت الذي كنت تحاولين حمايته من الهدم ، اه ... لو هدموا كل البيوت وبقيت ريتشل ، لولا ريتشل وامثالها لما وجد الامريكان احدا يحترمهم، نتيجة لاعمال حكامهم، ولكنها جعلتنا نفهم الفرق .

ريتشل رفح هي بوابة اسيا الى افريقيا، او بوابة افريقيا الى اسيا، انها ملتقى القارتين، اي انك اخترت الخلود على الخط الذي يفصل او يوصل قارتين، وفي الشمال كان بحر يفصل او يوصل ثلاث قارات، وانت جئت من قارة رابعة، نعم اعرف انك قصدت كل ذلك، اردت ان تمنحي التاريخ شيئا مميزا ، في العادة التاريخ يكتبه المنتصرون، ولكن بما انك غير عادية استطعت ان تعطينا الحق نحن المهزومون الان، ان نكتب التاريخ، الم يقل اوسكار وايلد من حق التاريخ علينا ان نعيد كتابته، الم يكتب صنع الله ابراهيم تاريخ وردة ثورة هزمت، ولكن تذكري ان هزيمة الحق مؤقتة، ونحن الان في الزمن الرديء، ولكن قال لنا ناظم حكمت ان اجمل الايام هي التي لم نعشها بعد، واعدك حين تأتي تلك الايام ستكونين معنا، الم تغني لك جوليا بطرس بنرفض نحنا نموت.

انت لم تسجلي في التاريخ بطولة عادية، لم تكوني في حرب واصابتك رصاصة قاتلة، لم تكوني في مظاهرة وقتلتك رصاصة، هكذا موت يحصل كثيرا، اما انت فقد كنت هناك، امامك بيت وبلدوزر، البيت لابن شعب بلا قوة عسكرية ومغلوب على امره، والبلدوزر كان لاكبر طاغيتين في زمننا امريكا واسرائيل، نظرت امعنت النظر وقررت لن يمروا، وخطت قدماك بثبات واباء، نظرت الى السماء، غازلت النجوم قليلا، وابتسمت للقمر، وفكرت في نجمة بيت لحم فهي ليست بعيدة من هناك، وقلت لها الى اللقاء، وفكرت في جبران خليل جبران حين قال اريد ان احيا الحقيقة، بدلا من الكتابة عن النار افضل ان اكون جمرة تتأجج، وانطلقت كغزال جماله يخطف الانظار، شمخت امام البلدوزر وقلت للمجرم قف، اعذرك حسبته انسان، وكان ما كان.

ريتشل هل خدشوا وجهك الجميل، كل جميلات العرب قلن خذي وجهي، هل جرحوا نهدك، صرخت مغارة الحليب بجوار كنيسة المهد لا تأبهي فأنا لك، سيكون في صدرك نهد مريم الذي ارضع المسيح.

ريتشل نحبك اكثر من شهدائنا، وانت اعظم منا ، فنحن ان قتلنا ففي الدفاع عن وطننا وعن حريتنا، اما انت فكنت محاربة من اجل الانسانية جمعاء، فرضت علينا ان نعيد النظر في تعريف المفاهيم، هل انت فلسطينية لا، هل انت امريكية، ايضا لا، انت تنتمي الى دولة الانسان، انت مواطنة التاريخ كله والجغرافيا كلها والابعاد الثلاث .

ريتشل لاحظت في كتاباتك، استعملت النسبية في الحديث عن الخطر ، اتعلمين ان انشتاين رفض دعم اسرائيل والهجرة اليها.

ريتشل في ذلك الشهر الثالث المشؤوم من العام الثالث في هذا القرن الجديد، قتلت اسرائيل تسعة وتسعين حياة، انت وثمانية وتسعين فلسطينيا منهم ثمانية وستون قبلك وثلاثين بعدك. 

ريتشل ما فعلته ألهم الشعراء والعشاق فتحركوا، سهير حماد: انك اعظم قصة تقال، هارون رشيد: يا شهيدة الحق، يا شهيدة العدل، يا شهيدة السلام، يعجز عنك الشعر، يعجز القول يا انستي ويخرس الكلام، وادوارد سعيد نهض من سرير الموت ليمجدك ، اتدرين روميو وجولييت افاقا من الموت يومها، وقالوا قتلونا اعداء الحب من جديد، اما فيكتور غارا اهتز وحمل غيتارته ونسي اصابعه التي قطعوها، وعزف لك نشيد الانشاد، وقال لك اكثر مما قال التون للاميرة داي، حتى المسيح سال دمعه وقال، هذا ما جنته تعاليمي على اتباعي، اما نجيب سرور فأعاد عليك ما كتب قبل مولدك، قلتم والاسد الميت خير منه الكلب الحي، قلت انتم موتى فليس بحي من يختار حياة الكلب، اظن ادوارد ماست قال ما نؤمن به، عندما ذهبت من جسدها الوحيد هل اصبحت كبيرة كبر العالم.

انت لم تكوني على علم، بان ارثر ميللر يتمنى ان يذكره التاريخ، كانسان كتب ما يشعر به، ولكن من غيرك ابدع في كتابة ما يشعر به.

اتدرين ان مايكل انجلو يعمل ليل نهار ليخلق تمثالا لك ينصب بجانب داوود، وان دوستويفسكي يعجز عن تحليل نفسيتك، فطلب من فرويد التدخل، فقال انها اعظم من ان تكون انسان، وان هوميروس يكتب الالياذة من جديد بعدما نصبوك مكان اخيل، اما سليم شوامرة فقال ماتت ريتشل لكي نعيش، وصرخ اطفال رفح بما كتب جبران حين فقد امه، فقدت ينبوع الحنو والرأفة والغفران، والصدر الذي اسند اليه رأسي، واليد التي تباركني وتحرسني، وبقي اطفال رفح بدون ريتشل. 

هل كنت تؤرخين حياتنا في رفح والمواصي، هل بدأت تكتبين البؤساء من جديد، هل انت جان فالجان ام من صنعه.

لو تقرأين ما كتبت ناعومي كلاين عنك، ناعومي رائعة في كل ما تكتب، احب ناعومي هذه اكثر كلما قرأت لها اكثر، لم اكن اعلم ان المجندة المسكينة لينش ولدت في بلدة اسمها فلسطين، يا للمفارقة ويا للصدفة والضرورة ، ريتشل كيف لم يقم لوبي (ايباك) بتغيير اسم هذه المدينة في امريكا وهم الذين يغيرون كل الحقائق .

ريتشل تعالي نستريح قليلا، هل سمعت اخر نكتة، ساقولها لك، اكتشف جوجو اي جورج بوش بعد سنين في المكتب البيضاوي، ان مئة في المئة من المنتوجات التي تستوردها امريكا تستوردها من خارج امريكا، حلوه اليس كذلك، تعرفين يقولون عندنا ان المأساة في نصف الهبل، لان الانسان العادي لا مشكلة في تعامل الناس معه، والانسان الاهبل ايضا، ولكن الذي يكون نصف اهبل لا يدري الناس كيف يتعاملون معه ، وخاصة اذا كان رئيس امريكا .

ريتشل لدي خبر سيء، لقد قتلوا توم، لكنه لم يمت حسب مشيئتهم، فقد صمد وحارب الموت بقلبه، وبقي اياما وليالي طويلة يغيظهم ويحاربهم بنبضات قلبه، كان قلبه يستصرخ حكام لندن وواشنطن، ظانا ان فيهم بقايا انسانية تتحرك، ولكن قالوا ما لنا وللانسانية، فتوقف قلبه احتجاجا.

ريتشل لماذا بربك تركت واشنطن الخضراء، لماذا تركت اولمبيا ويوجين، الم تقرأي في الطفولة صديقتي فليكا، وتبقين هناك تستمتعين بالسهول الخضراء وبالفرس، وربما بقطة صغيرة جميلة، ريتشل براءة الطفولة اهم ما في الكون. لماذا لم تذهبي الى هاواي كما كتبت، وتستمتعي بالشواطيء والشمس وكأس وصديق، اعرف اعرف ما ستقولين، عندما تفتح العين على حقيقة لا يمكن ان تغلق ثانية.

ريتشل هل يعلم الطغاة انك تعشقين لعبة كرة السلة، لان التهديف فيها دائما الى الاعلى.

ريتشل هل ستنتج هوليود فيلما عنك، لقد فعلوا لذلك الشاب البطل الذي قتله حلفاء كيسنجر في تشيلي، ولكن هل يجرأ احد منهم المس باسرائيل، ربما ريتشارد غير ام انه لم ينضج لتلك الدرجة بعد، لقد علمت ان مايكل صاحب رحلة الى الارض المحتلة فخور بك.  

ريتشل اتعلمين من المسؤول عن موتك ، اولا: حكام اسرائيل، وثانيا: جزء من اليهود في العالم الذين يسمحون لاسرائيل ان تقوم بجرائمها باسمهم، وثالثا: يهود اسرائيل الذين يعرفون بتلك الجرائم، وبعضهم يشارك فيها، ورابعا: يهود اسرائيل الذين يغمضون اعينهم ويغلقون اذانهم، كي لا يشعروا بالذنب، وخامسا: حكام امريكا الذين لولا دعمهم وحمايتهم لما استطاعت اسرائيل الاستمرار في جرائمها، وتهديد السلام في العالم، وسادسا: حكام اوروبا مرتين، الاولى حين اجرموا بحق اليهود في اوروبا في الهوليكوست وفي فترة انتشار اللاسامية، والثانية في دعمهم لاسرائيل والسكوت عن جرائمها، وسابعا: الاعلام الامريكي الذي لا يقول الحقيقة عن اسرائيل، وثامنا: الحكام العرب الطغاة الذين ارتضوا لانفسهم دور الخدم لحكام امريكا، كي يحافظوا على مناصبهم، وتاسعا: الشركات التي تعطي او تبيع لاسرائيل السلاح والبلدوزرات، وهي تعرف بماذا تستخدمها اسرائيل، وعاشرا: الله الذي يسمح لكل هؤلاء بالاستمرار في جرائمهم .

يا اله البطولة والتضحية، لم يتسنى لك الوقت لتقولي لشعبك، ان حكومتكم تصرف على كل مواطن اسرائيلي اكثر مما تصرف على المواطن الامريكي.

ريتشل يا قلبا اتسع لحب الكون كله، لماذا لا يعرف شعبك ان لديكم واحدا من اعظم المفكرين، هو ناعوم تشومسكي، وانه يكتب ويقول ويصرخ، ان افيقوا واعرفوا الحقيقة، الا ان ديموقراطية اعلامكم، لا تسمح بنشر ما يخالف الحكومة، ريتشل انصحيهم ان لا يكونوا مثل برتني سبيرز، فيما قالته ل مايكل موور في 9/11 فهرنهايت ، وان العقل وجد ليستخدم.

واخبريهم عن نورمان فرنكلستين وصناعة الهوليكوست، او عن ما كتبه في التاريخ بان اسرائيل تستخدم في مصادرة اراضي الفلسطينيين، اساليب شبيهة بتلك التي استخدمت في مصادرة اراضي السكان الاصليين في امريكا .

ريتشل هل سمعت ان حراس غوانتنامو وابو غريب قرروا مراقبة حقوق الانسان في كوريا الشمالية.

واخيرا، ريتشل اطمئني وافخري بوالديك، فكلنا نتمنى والدين مثلهم، ولكن قبل الوداع عديني ان نلتقي، ربما في بغداد او كابل، وربما في هارلم، او سنلتقي في دولة فلسطين، صحيح ان الاف الصبايا هناك سيكون اسمهن ريتشل، ولكن لا تقلقي سأعرفك، ستكونين الاجمل وحولك الملائكة يغنون ويرقصون، سنلتقي ونشرب الانخاب بسقوط الظلم وانتصار الحب وتوحد كل شعوب الارض في دولة الانسان، وننصبك ملكة عليها وتاجك سيكون من ازهار الياسمين، وحينها سننسى الدين والقومية والجنس واللون وسيعم السلام، سيعم السلام.  

Add new comment